محمد بن جرير الطبري
98
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً قال : هذا مثل ضربه الله ، لا يغني أولياؤهم عنهم شيئا كمالا يغني العنكبوت بيتها هذا . وقوله : وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ يقول : وإن أضعف البيوت لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : لو كان هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أولياء ، يعلمون أن أولياءهم الذين اتخذوهم من دون الله في قلة غنائهم عنهم ، كغناء بيت العنكبوت عنها ، لكنهم يجهلون ذلك ، فيحسبون أنهم ينفعونهم ويقربونهم إلى الله زلفى . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ . . . الْعالِمُونَ اختلف القراء في قراءة قوله : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ فقرأته عامة قراء الأمصار " تدعون " بالتاء بمعنى الخطاب لمشركي قريش إِنَّ اللَّهَ أيها الناس " يعلم ما تدعون إليه من دونه من شيء " . وقرأ ذلك أبو عمرو : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ بالياء بمعنى الخبر عن الأمم ، إن الله يعلم ما يدعو هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم من دونه من شيء . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ، قراءة من قرأ بالتاء ، لأن ذلك لو كان خبرا عن الأمم الذين ذكر الله أنه أهلكهم ، لكان الكلام : إن الله يعلم ما كانوا يدعون ، لأنالقوم في حال نزول هذا الخبر على نبي الله لم يكونوا موجودين ، إذ كانوا قد هلكوا فبادوا ، وإنما يقال : إن الله يعلم ما تدعون إذا أريد به الخبر عن موجودين ، لا عمن قد هلك . فتأويل الكلام إذ كان الأمر كما وصفنا : إن الله يعلم أيها القوم حال ما تعبدون من دونه من شيء ، وان ذلك لا ينفعكم ولا يضركم ، إن أراد الله بكم سوءا ، ولا يغني عنكم شيئا ؛ وإن مثله في قلة غنائه عنكم ، مثل بيت العنكبوت في غنائه عنها . وقوله : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يقول : والله العزيز في انتقامه ممن كفر به ، وأشرك في عبادته معه غيره فاتقوا أيها المشركون به عقابه بالإيمان به قبل نزوله بكم ، كما نزل بالأمم الذين قص ، الله قصصهم في هذه السورة عليكم ، فإنه إن نزل بكم عقابه لم تغن عنكم أولياؤكم الذين اتخذتموهم من دونه أولياء ، كما لم يغن عنهم من قبلكم أولياؤهم الذين اتخذوهم من دونه ، الْحَكِيمُ في تدبيره خلقه ، فمهلك من استوجب الهلاك في الحال التي هلاكه صلاح ، والمؤخر من أخر هلاكه من كفرة خلقه به إلى الحين الذي في هلاكه الصلاح . وقوله : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ يقول تعالى ذكره : وهذه الأمثال ، وهي الأشباه والنظائر نضربها للناس يقول : نمثلها ونشبهها ونحتج بها للناس ، كما قال الأعشى : هل تذكر العهد من تنمص إذ * تضرب لي قاعدا بها مثلا وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ يقول تعالى ذكره : وما يعقل أنه أصيب بهذه الأمثال التي نضربها للناس منهم الصواب والحق فيما ضربت له مثلا إلا العالمون بالله وآياته . القول في تأويل قوله تعالى : خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : خلق الله يا محمد السماوات والأرض وحده منفردا بخلقها ، لا يشركه في خلقها شريك إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يقول إن في خلقه ذلك لحجة لمن صدق بالحجج إذا عاينها ، والآيات إذا رآها . القول في تأويل قوله تعالى : اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ . . . عَنِ الْفَحْشاءِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم اتْلُ يعني اقرأ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ من الكتاب يعني ما أنزل إليك من هذا القرآن وَأَقِمِ الصَّلاةَ يعني : وأد الصلاة التي فرضها الله عليك بحدودها . إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ اختلف أهل التأويل في معنى الصلاة التي ذكرت في هذا الموضع ، فقال بعضهم : عنى بها القرآن الذي يقرأ في موضع الصلاة ، أو في الصلاة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن أبي الوفاء ، عن أبيه ، عن ابن عمر إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ قال : القرآن الذي يقرأ في المساجد . وقال آخرون : بل عنى بها الصلاة . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني